القاضي عبد الجبار الهمذاني
147
شرح الأصول الخمسة
ولا عميق ، فقد نفيتم آخرا ما أثبتموه أولا ، وهذا هو حد المناقضة ففارق أحدهما الآخر . أحد ما يدل على أنه تعالى ليس جسما : وأحد ما يدل على أنه تعالى لا يجوز أن يكون جسما ، هو أنه تعالى لو كان جسما لوجب أن يكون قادرا بقدرة ، والقادر بالقدرة لا يقدر على فعل الأجسام ، فكان يجب أن لا يصح من اللّه تعالى فعل الأجسام ، وقد عرف خلافه . وهذه الدلالة مبنية على أصلين : أحدهما : هو أنه تعالى لو كان جسما لكان قادرا بقدرة : والثاني : أن القادر بالقدرة لا يصح منه فعل الجسم . أما الذي يدل على أنه تعالى لو كان جسما لوجب أن يكون قادرا بقدرة فهو أنه لو لم يكن قادرا بقدرة لوجب أن يكون قادرا للذات ، وصفة الذات ترجع إلى الآحاد والأفراد دون الجمل ، من حيث أنها هي الصفة التي يقع بها الخلاف والوفاق ، وذلك يرجع إلى كل جزء منه ، فكان يجب أن يكون كل جزء منه قادرا ، وأن يكون بمنزلة أحياء قادرين ضم بعضهم إلى بعض ، وهذا يقتضي أن لا يحصل الفعل بداع واحد بل يحصل بدواع كثيرة مختلفة وأن يقع بينهم التمانع ، والمعلوم خلاف ذلك . وبهذه الطريقة يعلم أن الواحد منا لا يجوز أن يكون قادرا لذاته . ويمكن سلوك طريقة أخرى في الواحد منا ، فيقال : إنه حصل قادرا مع جواز أن لا يحصل قادرا والحال واحدة والشرط واحد ، فلا بد من أمر ومخصص له ولمكانه حصل قادرا وإلا لم يكن بأن يحصل على هذا الوجه أولى من خلافه ، وليس ذلك الأمر إلا وجود معنى هو القدرة ، فهذا هو الكلام في أنه تعالى لو كان جسما لكان قادرا بقدرة . وأما الكلام في أن القادر بالقدرة لا يقدر على فعل الأجسام ، فهو أنه لو صح منه بما فيه من القدرة فعل الأجسام ، لصح منا أيضا بما فينا من القدرة ، لأن القدر وإن اختلفت فمقدوراتها متجانسة ، حتى ما من قدرة يصح أن يفعل بها جنس إلا وغيرها من القدر يصح ذلك الجنس بها ، فيلزم في الواحد منا أن يخلق لنفسه ما شاء من الأموال والأولاد ، والمعلوم خلاف ذلك . ومما يدل على أن القادر بالقدرة لا يصح منه فعل الجسم ، هو أن القادر بالقدرة